الشوكاني

344

فتح القدير

أبو عبيدة . قال النحاس : لأنها أعم ، والخاص يدخل تحت العام . وقد يحتمل أن يراد بالجمع المسجد الحرام خاصة ، وهذا جائز فيما كان من أسماء الأجناس كما يقال فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرسا قال : وقد أجمعوا على الجمع في قوله ( إنما يعمر مساجد الله ) وروى عن الحسن البصري أنه تعالى إنما قال " مساجد " والمراد المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد . قال الفراء : العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم : فلان كثير الدرهم وبالعكس كقولهم فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكا واحدا والمراد بالعمارة إما المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي ، وهو ملازمته والتعبد فيه ، وكلاهما ليس للمشركين ، أما الأول فلأنه يستلزم المنة على المسلمين بعمارة مساجدهم ، وأما الثاني فلكون الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد الحرام ، ومعنى ( ما كان للمشركين ) ما صح لهم وما استقام أن يفعلوا ذلك ، و ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) حال : أي ما كان لهم ذلك حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر بإظهار ما هو كفر من نصب الأوثان والعبادة لها وجعلها آلهة ، فإن هذا شهادة منهم على أنفسهم بالكفر وإن أبوا ذلك بألسنتهم ، فيكف يجمعون بين أمرين متنافيين : عمارة المساجد التي هي من شأن المؤمنين ، والشهادة على أنفسهم بالكفر التي ليست من شأن من يتقرب إلى الله بعمارة مساجده . وقيل المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، وقيل شهادتهم على أنفسهم بالكفر : إن اليهودي يقول هو يهودي والنصراني يقول هو نصراني والصابئ يقول هو صابئ ، والمشرك يقول هو مشرك ( أولئك حبطت أعمالهم ) التي يفتخرون بها ويظنون أنها من أعمال الخير : أي بطلت ولم يبق لها أثر ( وفي النار هم خالدون ) وفي هذه الجملة الاسمية مع تقديم الظرف المتعلق بالخبر تأكيد لمضمونها ، ثم بين سبحانه من هو حقيق بعمارة المساجد فقال ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) وفعل ما هو من لوازم الإيمان من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ( ولم يخش ) أحدا ( إلا الله ) فمن كان جامعا بين هذه الأوصاف فهو الحقيق بعمارة المساجد . لا من كان خاليا منها أو من بعضها ، واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية تنبيها بما هو من أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه الله على عباده ، لأن كل ذلك من لوازم الإيمان ، وقد تقدم الكلام في وجه جمع المساجد وفي بيان ماهية العمارة ، ومن جوز الجمع بين الحقيقة والمجاز حمل العمارة هنا عليهما ، وفي قوله ( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم ، فإن الموصوفين بتلك الصفات إذا كان اهتداؤهم مرجوا فقط ، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشئ من تلك الصفات ، وقيل عسى من الله واجبة ، وقيل هي بمعنى خليق : أي فخليق أن يكونوا من المهتدين ، وقيل إن الرجاء راجع إلى العباد ، والاستفهام في ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) للإنكار ، والسقاية والعمارة مصدران كالسعاية والحماية ، وفي الكلام حذف ، والتقدير : أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وعمارة المسجد ، أو أهلهما ( كمن آمن ) حتى يتفق الموضوع والمحمول أو يكون التقدير في الخبر : أي جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كعمل من آمن أو كإيمان من آمن . وقرأ ابن أبي وجرة السعدي وابن الزبير وسعيد بن جبير أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام ، جمع ساق وعامر ، وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير محذوف ، والمعنى : أن الله أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي صورتها صورة الخير ، وإن لم ينتفعوا بها وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في سبيل الله ، وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة ويفضلونهما على عمل المسلمين ، فأنكر الله عليهم ذلك ، ثم صرح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين وتفاوتهم وعدم استوائهم فقال ( لا يستوون عند الله ) أي لا تساوى تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام هذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة في سبيله ، ودل سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة التي يدعيها المشركون : أي